عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

209

اللباب في علوم الكتاب

الاستغراق ، و « عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ » خبرها عند من يجيز إعمالها مقدمة الخبر مطلقا ، أو يرى ذلك في الظّرف وعديله . و « مِنْ حِسابِهِمْ » حال من « شيء » لأنه لو تأخّر لكان صفة ، ويجوز أن تكون مهملة إما على لغة « تميم » وإما على لغة « الحجاز » لفوات شرط ، وهو تقديم خبرها وإن كان ظرفا ، وتحقيق ذلك مما تقدّم في قوله : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 52 ] . قوله : « وَلكِنْ ذِكْرى » فيه أربعة أوجه : أحدها : أنها منصوبة على المصدر بفعل مضمر ، فقدّره بعضهم أمرا ؛ أي : ولكن ذكّروهم ذكرى ، وبعضهم قدّره خبرا ؛ أي : ولكن يذكرونهم ذكرى . الثاني : أنه مبتدأ خبره محذوف ؛ أي : ولكن عليهم ذكرى ، أو عليكم ذكرى ؛ أي : تذكيرهم . الثالث : أنه خبر لمبتدأ محذوف ؛ أي : هو ذكرى ؛ أي : النهي عن مجالستهم والامتناع منها ذكرى . الرابع : أنه عطف على موضع « شيء » المجرور ب « من » ؛ أي : ما على المتّقين من حسابهم شيء ، ولكن عليهم ذكرى ، فيكون من عطف المفردات ، وأما على الأوجه السّابقة فمن عطف الجمل . وقد ردّ الزمخشري « 1 » هذا الوجه الرابع ، وردّه عليه أبو حيان . فأما ردّ الزمخشري « 2 » ، فقال : « ولا يجوز أن يكون عطفا على محلّ من شيء ؛ كقولك : « ما في الدار من أحد ولكن زيد » ؛ لأن قوله : « مِنْ حِسابِهِمْ » يأبى ذلك » . قال أبو حيّان « 3 » : كأنه تخيّل أن في العطف يلزم القيد الذي في المعطوف عليه ، وهو « مِنْ حِسابِهِمْ » فهو قيد في « شيء » فلا يجوز عنده أن يكون من عطف المفردات عطفا على « مِنْ شَيْءٍ » على الموضع ؛ لأنه يصير التقدير عنده : ولكن ذكرى من حسابهم ، وليس المعنى على هذا ، وهذا الذي تخيّله ليس بشيء ، ولا يلزم في العطف ب « لكن » ما ذكر ؛ تقول : ما عندنا رجل سوء ولكن رجل صدق ، وما عندنا رجل من تميم ولكن رجل من قريش ، وما قام من رجل عالم ولكن رجل جاهل ، فعلى هذا الذي قرّرناه يجوز أن يكون من عطف الجمل كما تقدم ، وأن يكون من عطف المفردات والعطف بالواو ، ولكن جيء بها للاستدراك . قال شهاب الدّين « 4 » : قوله : « تقول : ما عندنا رجل سوء ولكن رجل صدق » إلى

--> ( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 35 . ( 2 ) ينظر : المصدر السابق . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 158 . ( 4 ) ينظر : الدر المصون 3 / 89 .